حسن الأمين
35
مستدركات أعيان الشيعة
الخلافة عنه إلى أخيه هاشم إلا أن حزب الناصر وفيهم حظية والدة السيدة ( بنفشة ) وأستاذ الدار مجد الدين هبة الله بن الصاحب ، والقائد عماد الدين صندل حملوا والده المستضيء على أن ينص عليه قبل وفاته ، فبويع بالخلافة صبيحة يوم الأحد غرة ذي القعدة [ ] 575 ، على قول ، أو ثاني ذي القعدة [ ] 575 على قول آخر ، من سنة 575 ه . وظن رجال الدولة استمرار الضعف فيها طبيعيا كما كان على عهد أبيه ، فانتقم بعضهم من بعض ، وقبض على ظهير الدين منصور بن نصر بن العطار الحراني النائب في الوزارة ، وقيد في دار الخلافة ، وبحث عن أمواله وودائعه ثم قتل وأخرج من دار الخلافة ثاني عشر ذي القعدة ميتا على رأس حمال سرا ، فغمز به بعض الناس وثارت به العامة فألقوا جثته عن رأس الحمال وكشفوا سوأته وشدوا بها حبلا وسحبوه ببغداد وكانوا يضعون بيده مغرفة قد غمسوها بالعذرة - تشبيها لها بالقلم - وهم يقولون « وقع يا مولانا » استهزاء وتهكما ، لما رأوا منه من العسف والجور والظلم والتعصب الشنيع . وجرت العادة عند انتقام بعض رجال الدول من بعض بتمهيد الطريق إلى الاستبداد وما يسمى اليوم باستغلال الاستقلال ، فلا غرابة في أن ينحو هذا النحو أستاذ دار الخلافة مجد الدين هبة الله بن الصاحب ، وقد أخطا هذا الرجل خطا عظيما في تحكمه بشؤون الدولة وكان عليه أن يدرس نفسية الخليفة الجديد ، ويسبر غوره ، ويختبر أمره ، فقد كان الناصر لدين الله قوى النفس شجاعا ذكيا ألمعيا جريئا مدهش السياسة ظاهر الكياسة جميل الخلق والخلق ، عالما بحقيقة منصبه ، عارفا بالواجب عليه للدين وللأمة الإسلامية ، فمثل هذا الخليفة ينبغي أن لا يفتات عليه ، ولا يقطع أمر دون موافقته واستئماره ، وقد رآه ابن جبير عند قدومه بغداد سنة « 580 ه » قال : « وقد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكبا في زورقه ، وقد يصيد في بعض الأوقات في البرية ، وظهوره على حالة اختصار ، تعمية لأمره على العامة ، فلا يزداد أمره مع تلك التعمية إلا اشتهارا ، وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة ، ويؤثر التحبب لهم وهو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له . أبصرنا هذا الخليفة ( 1 ) المذكور وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله ابن المستضيء بنور الله ( كذا ) أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ، ويتصل نسبه إلى أبي الفضل جعفر المقتدر بالله إلى السلف فوقه من أجداده الخلفاء - رضوان الله عليهم - بالجانب الغربي أمام منظرته ، وقد انحدر عنها صاعدا في الزورق إلى قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط ، وهو في فتاء من سنه ، أشقر اللحية صغيرها ، كما اجتمع بها وجهه ، حسن الشكل ، جميل المنظر ، أبيض اللون ، معتدل القامة ، رائق الرداء ، سنه نحو الخمس وعشرين سنة ، لابسا ثوبا أبيض شبه القباء برسوم ذهب فيه ، وعلى رأسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر أسود من الأوبار الغالية القيمة ، المتخذ للباس الملوك مما هو كالفنك ( 2 ) وأشرف ، متعمدا بذلك زي الأتراك ، تعمية لشأنه ، لكن الشمس لا تخفى وان سترت وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين وخمسمائة » . وقال ظهير الدين الكازروني في مختصر التاريخ « قال من شاهده يوم المبايعة : رأيته وهو شاب أبيض مترك الوجه ، مليح العينين ، أقنى الأنف ، رقيق المحاسن ، خفيف العارضين ، نقش خاتمه : » رجائي من الله عفوه « ، وكان قبل المبايعة قد أهلك الناس الجدب وغلو الأسعار وقلة المعاش وكثرة الأمراض والوباء ، فلما بويع بالخلافة زال ذلك ببركة بيعته حتى درت الأمطار ، وتراخت الأسعار ، وهنا الناس بعضهم بعضا ببركته . . فجمع الله شمل الإسلام والمسلمين ببره وجوده ثم إنه عمر المساجد وجدد المشاهد . وجد الناصر لدين الله العباسي أن عليه أن يصلح أمور الدولة الداخلية أولا ثم يسيطر على العالم العربي والعالم الإسلامي لتوحيدهما ، فنظم إدارة الدولة أحسن تنظيم وأحكم قواعدها أحسن أحكام ، ولما رأى إصرار أستاذ الدار مجد الدين ابن الصاحب على استبداده بأمور الدولة واعتماده على الطائفية المذهبية أمر بقتله فقتل . قال ابن الأثير « كان مجد الدين ابن الصاحب متحكما في الدولة ليس للخليفة معه حكم ، وكان هو القيم بالبيعة ، وظهر له أموال عظيمة أخذ جميعها » . وجاء في عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ما يدل على أنه خنق ثريا فاخذ ماله . وكانت سياسة الناصر لدين الله تعتمد على إحسان انتخاب الرجال للأعمال ، فادخل في خدمة الدولة طائفتين كانتا متعاديتين بينهما ومعاديتين للدولة العباسية ، وهما الشيعة والحنابلة ، وقطع دابر الطائفية من دولته ، وأزال آثار الأعاجم التي تذكر الشعب بسلطتهم وسلطانهم ، حتى لقد رأى لوحا كان السلطان مسعود السلجوقي قد أمر بالصاقه على جدار ، وكتب فيه أبطالا لبعض المكوس ، فقال الناصر « اقلعوه فلا حاجة لنا بآثار الأعاجم » وأمر بنقض دار السلطنة السلجوقية في شمالي بغداد الشرقي ليزيل أثر الاستعباد من البلاد .
--> ( 1 ) قوله » هذا الخليفة « سببه أنه كان في مراكش وما حولها ملك من الموحدين يدعي الخلافة وهو من بني عبد المؤمن . ( 2 ) الفنك بالفاء جنس من الثعالب أصغر من الثعلب المعروف وفروته من أحسن الفراء وأغلاها .